الشيخ محمد علي طه الدرة
45
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 9 ] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) الشرح : يُخادِعُونَ اللَّهَ : الخداع ، والمخادعة : أن يوهم المرء صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ؛ ليوقعه فيه من حيث لا يشعر ، أو : يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغترّ بذلك ، وكلا المعنيين مناسب للمقام ، فإنّهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطّلعوا على أسرار المؤمنين ، فيذيعوها إلى المنابذين ، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة . قال العلماء : معنى يُخادِعُونَ اللَّهَ أي : يخادعونه عند أنفسهم ، وعلى ظنّهم . وقيل : في الكلام حذف ، تقديره : يخادعون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قاله الحسن ، وغيره ؛ لأنّ خداع رسول اللّه خداع للّه . أو المعنى : إن معاملة رسول اللّه معاملة اللّه ؛ من حيث إنّه خليفته في تشريع الأحكام ، وتنفيذ الحدود ، قال تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ الآية رقم [ 80 ] من سورة ( النّساء ) ، وقال تعالى في سورة ( الفتح ) رقم [ 10 ] : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ، وكذلك إذا خادعوا المؤمنين ؛ فقد خادعوا اللّه . هذا ؛ ومن قولهم : خدع الضب ، إذا توارى في جحره ، والأخدعان : عرقان خفيّان في العنق ، وقال أهل اللغة : أصل الخدع في كلام العرب : الفساد ، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ، وأنشد قول سويد بن كاهل : [ الرمل ] أبيض اللّون لذيذ طعمه * طيّب الرّيق إذا الرّيق خدع وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ : أي : إن دائرة الخداع راجعة إليهم ، وضررها يحيق بهم ، أو أنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لمّا غروها بذلك ، وخدعتهم أنفسهم حيث حدّثتهم بالأماني الفارغة ، وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية في الأرض ، ولا في السماء ، وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تخادع اللّه ، فإنّ من يخادع اللّه يخدعه ، ونفسه يخدع ؛ لو يشعر » قالوا : يا رسول اللّه ! وكيف يخادع اللّه ؟ قال : « تعمل بما أمرك اللّه به ، وتطلب به غيره » ، أي : ترائي به النّاس ، هذا ؛ وقرئ : يخدعون في الموضعين . وَما يَشْعُرُونَ : الشّعور : إدراك الشيء من وجه يدقّ ، ويخفى ، مشتقّ من الشعر لدقته ، وسمّي الشاعر : شاعرا لفطنته ، ورقّة معرفته ، والمعنى : وما يشعرون أنّ وبال خداعهم راجع على أنفسهم ، وأنّهم سيحاسبون حسابا عسيرا ، وسيعاقبون عقابا شديدا . ومحصّل ما ذكر : أنّ الآية من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبه حالهم في معاملتهم للّه بحال المخادع مع صاحبه من حيث القبح ، أو من باب المجاز العقلي في النسبة الإيقاعية . انتهى . جمل . هذا وأما ( النّفس ) فإنها تجمع في القلة : أنفس ، وفي الكثرة : نفوس . والنفس : مؤنث باعتبار الرّوح ، وتذكر باعتبار الشخص ؛ أي : فإنها تطلق على الذات أيضا ، سواء أكان ذكرا أم